السيد كمال الحيدري

164

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

ويظهر بها ، فهو أثرها الحاكي لها بنحو من الحكاية والإشارة ، كما أنّ قول السيّد لخادمه اسقني ينتشي عن اقتضاء الطبيعة الإنسانيّة لكمالها ، فإنّ هذه الحقيقة الخارجية هي التي تقتضي حفظ الوجود والبقاء ، وهو يقتضي بدل ما يتحلّل من البدن ، وهو يقتضي الغذاء اللازم ، وهو يقتضي الريّ ، وهو يقتضي الأمر بالسقي مثلًا . فتأويل قوله : اسقني هو ما عليه الطبيعة الخارجية الإنسانية من اقتضاء الكمال في وجوده وبقائه ) « 1 » ، فالطبيعة الخارجية حاكمة تُسانخ ما يُحقِّق لها كمالها ، فلو تغيَّرت تلك الطبيعة أو الحالة التي عليها الآمر للزم أن يتغيَّر أمره ومطلوبه . بعبارة أُخرى : لو تبدّلت هذه الحقيقة الخارجية إلى شيء آخر يباين الأوّل مثلًا لتبدّل الحكم الذي هو الأمر بالسقي إلى حكم آخر ، وكذا الفعل الذي يُعرف فيفعل ، أو يُنكر فيُجتنب في واحد من المجتمعات الإنسانية على اختلافها الفاحش في الآداب والرسوم ، إنّما يرتضع من ثدي الحسن والقبح الذي عندهم ، وهو يستند إلى مجموعة متّحدة متّفقة من علل زمانية ومكانية وسوابق عادات ورسوم مرتكزة في ذهن الفاعل بالوراثة ممّن سبقه ، وتكرّر المشاهدة ممّن شاهده من أهل منطقته ، فهذه العلّة المؤتلفة الأجزاء هي تأويل فعله أو تركه ، من غير أن تكون عين فعله أو تركه ، لكنّها محكيّة مضمّنة محفوظة بالفعل أو الترك ، ولو فرض تبدّل المحيط الاجتماعي لتبدّل ما أتى به من الفعل أو الترك . فالأمر الذي له التأويل سواءً كان حكماً أو قصّةً أو حادثةً ، يتغيّر بتغيّر التأويل لا محالة ، ولذلك ترى أنّه تعالى في قوله : فَأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللهُ . . . ، لمّا ذكر اتّباع أهل الزيغ ما ليس بمراد من المتشابه ابتغاءً للفتنة ، ذكر أنّهم بذلك يبتغون تأويله الذي ليس بتأويل له ، وليس إلّا لأنّ التأويل الذي

--> ( 1 ) المصدر السابق . .